فنون

مقاربة تحليلية لكتاب”التجريب في الدراما والنقد” للدكتور عبدالرحمن بن زيدان

بقلم: د. الغزيوي بوعلي | فاس

       يعرض هذا الكتاب لأول مرة في تاريخ الثقافة العربية أوجه المناظرة العينية والمساجلة بين أصحاب النص، وأصحاب العرض مع البحث عن المفهوم، وجذريته وهو بقيم جنيالوجيا للنقد منذ اليونان، والرومان، والعصر الكلاسيكي، والرومانسي، وعصر النهضة، وإلى القرن 19 –وما أحدثته هذا العصر من انقلابات سياسية، ثقافية، واستقلال العلوم الإنسانية عن الفلسفة، وكذا التأثيرات التي تمارسه على النقد وعلى الآداب وكيفية الكلائم بين البعد الفني، التخبيلي والبعد المعرفي، لهذا اعتبرت هذا الكتاب عبارة عن تذوين جديد للممارسة المسرحية العربية سواء من الناحية النظرية، أو من الناحية التطبيقية، وأيضا من الناحية النظرية حيث استعرض المؤلف مجموعة من المفاهيم والمصطلحات التي شغلت المثقف الغربي والعربي، لأن هذا البعد الكينوني ليس عبارة عن وجود المفاهمي بل ليس وجوديا بهذا المعنى، إنه لا يعني بوجود الأشياء كما هي مسطرة ومسطحة لذاتها، وإنما يعني بالكينونة النقدية أي بوجود الوعي الواعي لكينونته الملقى في العالم الذي يصنعه ابن زيدان، إن التجريب يبحث عن كينونته من خلال علاقته المتشابكة مع المراحل التي قطعها وهذا المراحل يمضي تحديدها على الشكل التالي:
1) المرحلة الأولى: تشييد مع مجموعة من الباحثين بين الاحتفالية والتجريب.
2) المرحلة الثانية: طرح أسئلة المسرح العربي والغربي.
3) المرحلة الثالثة: بين المنهج الحضري والايديولوجي.
4) المرحلة الرابعة: طرح قضية التجريب وإلغاء الذات والكلمة.
فالتحليل الكينوني الذي نهجه عبد الرحمن بن زيدان هو بحث لجلاء الكينونة النقدية، لأن الوجود-اليوناني والروماني، والكلاسيكي والنهضوي والحديث والمعاصر، هو الوعي وليس الوجود في العالم حسب مفهوم هيدجر، وليس كما يعتقد أصحاب المذهب الحسي، أي كوجود نص سطحي يشبه شطحات جحجوح، وامرؤ القيس في باريس. إنه يتميز في كينونته بالعلاقة المؤثرة التي يمارسها النص مع ذاته، فهو لا يمكن أن يكون شيئا أو حدثا قديم وانتهى، بل عمل على إلغاء الوجود من أجل البحث عن الوجود، ويرى هيدجر أن الوجود يوجد داخل أفق الزمانية، فالوجود هو دائما وجود الموجود. والسؤال المطروح، لماذا هناك أشياء بدلا من أن يكون هناك عدم؟وهل هناك مجالات للتفكير خارج النص؟ فالسؤال لا يكون خارج النص أي كموضوع، بل داخله وهذا الداخل سماه هيدجر بـ الأنطولوجية الجوهرية.
فالوجود لا يعني الوجود الهيدرجري بل الوجود الإنساني الذي حاول بن زيدان عبر تحليله لمجموعة من المسرحيات لكل من أحمد الطيب لعلج، ومحمد مسكين “عاشور” وبرشيد “امرؤ القيس في باريس”، وكذا أحمد شوقي، وصلاح عبد الصبور، وأحمد ياشيرن، وتوفيق الحكيم، فالوجود “الإنساني” له ثلاث مكونات:
 الوجود في /النص وهو الوجود في العرض الذي يوجد فيه الوجود
 الإنسان/يظل مختبأ وراء الظواهر الرمزية واللغوية
 الوعي”الإنسان”يوقظ الإدراك/كينونته أي مجموعة من الأشياء التي تتحقق بها، فالقراءة الزيدانية لم تقتصر على البعد الحسي، وإنما اعتمد على العين كقراءة جديدة تجعل الكينونة غير قابعة في الماهية، والوجود.
من هنا نستشف السؤال التالي كيف نبني لهذا الكتاب كينونته؟ وفي أي موجود يأخذ النقد والدراما، والتجريب البداية؟ أسئلة كثيرة تطرح التجاوز والتخطي والتلقي، والانفتاح كقدرة إنتاجية تعي ذاتها في بعدها التاريخي لتستحضر العالم كلغة ثانية، وكاستراتيجية مقارباتية بين الاتجاهات والمدارس، لأن الوعي الزيداني لم يطرح نفسه كوعي السلفي الكلاسيكي والنهضوي، بل كوعي آخر، فالوعي عنده لا يكون إلا في موقف مضاد لنفسه، لأن الموضوع الكينوني لا يكون موضوعا مرتبطا بالوعي إلا إذا كان مطروحا كوجود ثاني، وليس كعدم كما يعتقد هيدجر، وعلى هذا فالفكر النقدي الذي مارسه ككتابة بصرية تجسدت من خلال اللقاء بين العين، والخشبة، وبين الذوق والشخصية، وبين البعد الذاتي والتيمي، لأن هذا التدوين الجديد هو نوع من التفكير خارج سلالة المألوف، لأن الكون المسرحي هو كون خيالي غير واقعي، فالنقد إذن عبارة عن توليدات جديدة داخل الأنوية البصرية الاستقرائية، أو الجشطالتية، أو الذرائعية.
لقد جرت العادة أن نتحدث عن الكينونة الزيدانية بنوع من المحدودية والقدرية، لأن طواعية العلوم الإنسانية والمعرفية جعلت الكينونة تنطبع كالبعد التأويلي والهرمينوتيكي لتجعل من النصوص تغير أفقها وجلدها التناصي، إنها إشكالية غير مسبوقة بفعل أيديولوجي، ورحلة قرائية مفتوحة وفاعلية تسمح للقارئ بخلق نوع من الاستجابة، فالقراءة الزيدانية هي جزء من السلوك الفعلي، واستخدام الكلمات لإحداث تبدلات داخل الجسم النصي بكل تضاريسه من أجل الاعتراف بالاستجابة لجعل المتلقي لهذا الكتاب يحس بنوع من المغايرة عن الكتابات الأخرى التي لطخت وجع الثقافة المغربية والعربية ومن خلال هذه المغايرة نطرح معه مجموعة من الأسئلة التالية:
أين تتجلى أزمة الفكر العربي، والمسرحي بالخصوص؟
متى تندمج الذات مع الآخر بشكل متوازي؟
كيف نفهم الثقافة والتثاقف…الكوني والخصوصي؟
أية تنمية ثقافية يحتاج إليها الإنسان العربي؟
أي تجريب نمارسه في حياتنا؟
إننا في سياق البحث في البعد الكينوني الزيداني نصطدم بمجموعة من الأسئلة التي ذكرناها، لعلها هفوة وسقطة لا مبرر لها، لقد كان عبد الرحمن بن زيدان يتأرجح بين نمطين من التفكير.
نمط غربي، ونمط عربي، فالنمط الغربي، عرض مجموعة من المصطلحات، ابتداء من أرسطو، في كتابه “الشعر والخطابة، ملغيا البعد السياسي والأخلاقي وانتقل إلى العصر الكلاسيكي مستعرضا، مولير، وراين، وكورني، وكذا الرومانسية، حيث وقف عند هيجو في مسرحيته كروميل التي اعتبرها كعثية عليا وكتابة تمسرحية جديدة، ثم انتقل إلى الواقعية، والواقعية الاشتراكية، فاستحضر كولدمان، ولوكاتش، وطرح أيضا قضية السينوغرافيا، على مستوى الاصطلاحي، والوظيفي، ابتداء من ساكس منتجين، وذكر أيضا الصراعات التي عرفتها الساحة بين أصحاب النص وأصحاب العرض، وذكر أيضا النقد في تحولاته الفئوية ابتداء من تين، وبرونتير، وسانت بوف، ولانسون، والاندماج الحضاري بين العلوم الإنسانية، والأدبية، مما قوى شوكة النظرية التطورية فأمست قاعدة مثلى في العمليات النقدية، ولكن هذا التصور البيولوجي سيعرف هزات مع ظهور التحليل النفسي، والاجتماعي، سواء مع أدلر، ويونج، وفرويد، وشارل مورو، فهؤلاء أغنوا الدرس النقدي سواء من الناحية الباطنية، أو معرفية الدوافع الشخصية أو الطفولية أو الايداعية، أو الكبتية، أو العقدية (أوديب، الكترا، ….فهذا المعجم يكشف لنا عن معنى الرغبة، واللذة والاغتصاب، والعصاب، والذهان، والهستيريا، كما في كتابات فرويد، وروني شار، وأدلر، وبيكمان، إذن نحن أمام تحد كبير، لإيجاد الصيغة التي يجب أن يتشكل ضمنها منهجنا ذلك الذي لا يزال يريد انتزاع الأنا منا لندخل صلب الواقع لذاخلي كمظهر طبيعي للمناعة وكضرورة معرفية لكي يكتمل داخلنا كتعبير على هذا الداخل إذن لا بد من الخارج، إذ لا ينبغي أن نلقي الخارج باعتباره الغطاء الذي يحتوي الداخل، لذا قربنا ابن زيدان إلى المنهج الشكلي “اللوكاتشي”، وكذا إلى المنهج البنيوي التكويني عند لوسيان كولدمان، وما أحدثه هذا المنهج من خلخلة للطروحات البنيوية التي عملت على إلغاء الذات، والتاريخ، والإنسان، والزمان، والمكان، واهتمت بالبنية دون فعل التطور، لكن كولدمان، وليفي شراوس عملا على ربط البنية الثقافية بالاجتماعية مما أدى إلى إبراز قضية الوعي، والإرادة ورؤية العالم، والنص الموازي والايديولوجي، والوهم، ثم انتقل بنا إلى بريخت، دون إبراز الصراعات التي عاشها مع لوكاتش، ولذا استعرض المراحل التي عرفها هذا العالم الأدبي انطلاقا من مرحلة التعبيرية إلى الملحمية والدياليكية، وأخيرا إلى المرحلة التربوية النصية، من هنا نتساءل هل استطاع بن زيدان أن يؤسس لنفسه منهجا بجانب المناهج المعاصرة، فالجواب يبقى مفتوحا طالما أن الباحث لا زال يبحث في الحقول المعرفية عن مواد عذراء ليرش بها النصوص، وليرتوي منها القارئ العربي، وعلى هذا، فوجود البعد الكينوني هو وجود خالص حيث يكون تعريفه على أنه يحث دائم عن المغايرة ويكون أيضا بديلا لكن لما هو مؤسساتي، لأن الوعي حسب بن زيدان يكون محمولا بالوجود هو ليس بذاته، فابن زيدان يكون هو ماهيته غير منخرط في الدوامة الذرية للأنانيات التي يتكون منها التاريخ الإنساني، فاختيار الكتابة يعني اختيار الجرح والنفي، فابن زيدان لا يقدم لنا هذه الحياة، أو الكتابة دون أن يكون مستعدا للجرحوفي جوهره، لأن الوعي ينشأ عن كراهية الذات، وهذا مناقض للهيجيلية المثالية والقراءة المغلقة، فابن زيدان في كتابه هذا يخفي وراءه زادا معرفيا، ونقديا، سواء على مستوى الفلسفي حيث اطلع على مجموعة من الفلاسفة والمفكرين أمثال الجابري والعروي وحسن مروة ومهدي عامل وزريق سواء على المستوى الأدبي، كالكلاسيكية، وأيضا كمدرسة الديوان والمهجر والشعر الحر، ص 136 أو على المستوى النقدي (التاريخي الوصفي والاجتماعي والنفسي البنيوي والتكويني السيميائي والفلسفي والفكري.
فهذه الطرائق التي ساير عليها بن زيدان ليست مجرد تخيل، وليست وهما يخفي وراءه كقناع كما يقول نفسه فالآنا الزيدانية تمارس نوعا من الحفر الفوكاوي حيث تفكر في تكونها من أجل إيجاد بديلا للآثار غير البديل الأفلاطوني المثالي، وليس أيضا امتلاء بالمعنى السكولائي.
فالنقد عند بن زيدان، فاعل ودينامي للأنا الهيدجرية التي ليس بجوهر ولا بذاتية بل هي مستخرجة من علاقتها مع الآخر كما يقول المثاليون.
فالآنا الزيدانية/اجتماعية وذاتية وحيوية، فاعلة وومنتمية وأيديولوجيا.
لأن الآنا الزيدانية هي انخراط في العرض بواسطة امكانية منهجية شاملة المنهج سواء من علاقته بالعالم وبالواقع، أو من خلال الأسئلة الحفرية في تربة النصوص لأن حضور فوكو- في كتابه أركيولوجيا المعرفة وألتوسير في كتابه الوهم والإيديولوجيا، والجابري في كتبه “تكون العقل العربي ونقد العقل العربي ونحن والتراث، كلها قضايا فكرية تأثر بها المؤلف لذا يقول عبد الله العروي: هل نتمكن من إنجاز كل التغييرات التي نحن مطالبون بإنجازها إذا لم تراهن على العقلانية اليوم؟ فرغم تراجع الغرب ورغم التحفظات النظرية التي يمكن أن توجد بجانب العقلانية كفلسفة العرب والفكر التاريخي (ص 18- ص2 – فابن زيدان) عمل على تطهير النص برؤية نقدية لا تقف عند البعد البلاغي، ولا التحليل الإنشائي، بل تنزل إلى أعماق الغرائبية قصد استخلاص وحدة الوجود كفعل عقلاني، وهذا يقربنا إلى الموقف الجديد الذي ينفي الذات المتعالية، سواء في بعدها الفيزيولوجي، والثقافي أو التاريخي أو المادي-فالذات الزيدانية المتكلمة هي هوية داروين، وسبينواز، وماركس، وهور كهايمر، وأدورنو، والجابري، والعروي وغيرهم، حيث عمل ابن زيدان على الاقتراب بين البعد النظري العربي، والبعد الغربي المادي الفكري ويقول هاني فحص “وكم شاهدنا ونشاهد من مثقفينا من ينفشون ريشهم في مواقع القول، ويسر دون عن ظهر قلب مطالعاتهم في المصادر الغربية وكأنهم مكتشفونه لمجاهل في …..والتاريخ حالت ظلمات التخليف في الأمة دون الوصول إليها، “كتاب “ملاحظات حول المنهج” ص 25.
وانطلاقا من هذا التبويب نرى أن بن زيدان عمل على نهج طريقة مفتوحة غير فيتيشية، ولا تقف عند نهاية النص، بل وضعت القارئ أمام المسرح موقف القاضي، لا موقف الفقيه النصوح، حيث وضعه القارئ أمام تعدد الإشكاليات التي يعيشها هذا العالم العربي، وكيف يمتاح رموزه هذا النص القديم دون أي حراك، ولا تحول.
حيث أن المسرحي العربي كان وما يزال يحتلب من ثدي أمسنا، وثرهات يومنا ويلوك أطياف الذكريات ويستشرف نحو آفاق مجهود، دون هدف فابن زيدان عمل على إخراج هذه المشاهد الدرامية من مرحلة الكمون إلى مرحلة الممارسة النقدية مما أعطي لهذا الكتاب نفحة موسوعية وجمالية تتطلب الدراسة والدرية، ولنا عدوة للموضوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى