كان اسمه عيد الميلاد فلماذا صار اسمه الكريسماس؟

جواد بولس | فلسطين

من الصعب أن تكتب في أية مسألة عامة، مهما كانت ملحّة وهامة، وأنت تعيش تباريح ذلك الفرح المبهم، وتداهمك ذكريات صارت في خيالك بلون الغبار.

فان قلت: اليوم عيد ميلاد المسيح، قلت ناصرة الجليل ومهد بيت لحم والقدس موئل الرجاء والبركة؛ وتخيلت، بشكل تلقائي، كيف يجتمع الناس في ملايين بيوت المعمورة حول مغارة فلسطينية وفوقهم تتلألأ نجمتها وتغمرهم بالفرح وبالأمل والمحبة.

لم اع، قبل ستين شتاءً، معنى أوجاع الانتماء لهوية مركبة من طين ومن ماء ومن نار؛ وقد ولدت في عائلة عشق كبارها تناهيد البنفسج وبحة النايات وتقليب الكستناء في خواصر جمر لا ينام. أذكر زيارتي الأولى للناصرة عندما صحوت في فجر نديّ على أصداء الدهشة وهي تفر من دموع عذراء.

لم أفهم وقتها لماذا يولد ثائر كي يثقب سقف السماء ويزرع في صدور الناس معنى جديد للخلاص. بدأت الأسئلة تكبر وأنا كطفل شقي ألعب داخل كهف كان فيه مذود وضيع وأحلام من نور وقش. ثم ضعت، وأنا يافع، على كتف صخرة منحوتة من أرض الخيال، صارت دليل المؤمنين الاصم، على قيامة يعيشون من أجلها وعلى رجائها يرقدون، مثلما علّمهم “فاديهم” قبل أن يصير ضحية احدى اشهر مؤامرات التاريخ التي حيكت، منذ الفي عام، بين أرباب المال وسماسرة الايمان والسلطان.

حُسدت فلسطين واهلها على هذه النعمة “السماوية” وزوحمت عليها عبر التاريخ؛ لكنني لن أسرد في هذه المقالة ما توالى على أرضها من جيوش وممالك حتى استقرت أحوالها، في أيامنا، على سلطة فلسطينية لها ما لها من سيادة منقوصة ونوافذ على العالم كله، وفوقها دولة تمارس احتلالا باطشا يمعن في نبش هياكلها ونسف جغرافيتها وتحريف وقائع تاريخها كما عرفته الامم وآمن به أهلها منذ ألفي عام.

كان أهل هذه البلاد أوائل بناة وأتباع هذه الديانة، وكان من المفروض أن تصير أجيال المولودين في عائلات من صاروا المسيحيين الشرقيين، وارثي هذه الديانة الشرعيين وأصحاب كنائسها وأوقافها؛ لكنهم أُفشلوا وهزموا حتى وصلت أحوالهم اليوم الى حالة اللاعودة حيث مصير بقائهم في دول المشرق العربي، لا سيما في فلسطين الكبيرة، بات محسومًا.

لن نخوض في اسباب تلك المأساة – وهي مأساة فلسطينية وطنية بالتحديد – التي ما زالت شرايينها تنزف واعداد الفلسطينيين المسيحيين تتناقص بشكل يومي حتى خلَت منهم كثير من البلدات بشكل كامل، وستلحقها، كما أقدّر، مواقع اخرى قد يبقى فيها ما أسميته مرة “محميات طبيعية” سيحافظ عليها كأطلال تدل على ماضي البلاد الدارس.            

كانت الحرب على قلب فلسطين شرسة، ومحاولات سرقة “مسيحها” لم تتوقف؛ فكم حاول المستعمرون ذبحها كي تنتعش روما حينًا او القسطنطينية احيانًا، وتوالت عليها الحملات المسعورة حتى وصلنا الى ما فعله الانتدابان، البريطاني والفرنسي، من تمزيق لجغرافيا المنطقة وتطييف لأهلها وتأليبهم على بعض.

كان دور إسرائيل حاسمًا في التأثير على مكانة الكنائس المحلية وترسيم خارطة صلاحياتها، فعملت، بدهاء، على ابقاء جميعها مللاً مستقلة ومتفرقة، وساندت رعاتها الاجانب في سيطرتهم على مقدّراتها، خاصة اليونانيين الذين تلقوا دعمها المطلق وتسيّدوا بسببها على اكبر كنيسة ورعية عربية اصيلة وعريقة، فتحكموا بعنجهية مستعمر في رقاب عبادها المسالمين، وبحرية تامة في أوقافهم، كما شهدنا خلال السنين.       

 لم تعمل إسرائيل، لاسباب دينية وسياسية واضحة، على تطوير المواقع المسيحية الكثيرة الموجودة داخل حدودها، ولا على تسويقها كمراكز سياحية عصرية، واكتفت بدعم ما يتناسق وسياسات بعض الكنائس الغربية التي تدعم اسرائيل وممارساتها العنصرية؛ وقد نرى باهمال الناصرة، مدينة البشارة، المتعمد، أكبر دليل على هذا الاجحاف وهذه العنصرية.

لم تنفرد اسرائيل بمخططاتها بل تساوقت معها معظم رئاسات الكنائس المحلية، وشاركتها في لعبة استهدفت المحافظة على مكانة الاكليروسات الاجنبية الحاكمة وما حصلت عليها من امتيازات؛ وفي نفس الوقت تهميش مكانة الرعايا العرب وكهنتهم واخضاعهم الى حالة من الاغتراب والانتماء المشوّه.

لم تقتصر معاناة الفلسطينيين المسيحيين تاريخيًا على مواجهة ذينك العدوّين، الخارجي الاستعماري والاسرائيلي العنصري، بل بدأوا يعيشون، منذ أربعة عقود، تداعيات هواجس وجودية مستجدة وارهاصات حالة من التناقضات الحقيقية داخل مجتمعاتهم، وذلك بعد تنامي قوة بعض الحركات الاسلامية السياسية وتغلغل افكارها الدينية الاقصائية في مفاصل الحياة اليومية، مما دفع  بابناء الاقلية المسيحية الاصلانية الى فقدان الثقة بمستقبل كانت ستحميه وتؤمنه العباءة الفلسطينية الجامعة.

وكي لا افهم خطأ، فلقد بدأت مشكلة المسيحية المشرقية قبل نشوء هذه الحركات الاسلامية، لكنها تفاقمت مع زيادة قوتها وبسط سيادتها في بعض الدول العربية وفي قطاع غزة، ونتيجة لتصرفات بعض اجنحتها وفق مفاهيم عقائدية دلت على رفض قادتها لاحترام مبدأ تكاملية انساغ المجتمع الواحد واصرارها على فرض قوانين الشريعة الاسلامية وفق تفسيراتها الاصولية، على جميع المواطنين.

 الشواهد على ما يحدث داخل مجتمعاتنا، سواء كان في الاراضي الفلسطينية المحتلة أو داخل اسرائيل، كثيرة وموجعة ومقلقة؛ ولعل آخرها كان تعميم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الصادر عن حكومة غزة قبل بضعة أيام، وموضوعه، كما جاء في عنوانه: “فعاليات الادارة العامة للوعظ والارشاد للحد من التفاعل مع الكريسماس”.

 قد يكون ما يميز هذا التعميم انه صادر عن حكومة من المفروض ان تمثل جميع مواطني القطاع، بمن فيهم كمشة المسيحيين الباقية هناك؛ لكنه يبقى في الواقع،  من حيث المضامين والرسالة، تعميمًا شائعًا ومألوفًا، فلقد سمعنا عن نشر مثله في مواقعنا مرارًا وتكرارًا، ومع قدوم كل عيد ميلاد.

لم يبق في غزة الا اقل من ألف مواطن فلسطيني مسيحي، وهم كعناوين طبيعية لمثل هذه الممارسات والتعميمات، ليسوا بحاجة الى هذا “التشجيع” كي يهاجروا منها، اذا ما استطاعوا الى ذلك سبيلا؛ اما اذا لم يكونوا هم العنوان، كما حاولت وزارة الاوقاف اقناعنا في تأكيد لها نشر في منشور تبريري صدر بعد قيام زوبعة الاحتجاجات على التعميم المذكور، فعندها سيكون عذرهم اقبح من ذنب.

على جميع الأحوال، لم يكن نأي كاتبي ذلك التعميم عن استعمال كلمة “الميلاد” واستبدالها في العنوان بكلمة “الكريسماس” مجرد سهوة عابرة، لأنهم يعرفون بالتأكيد ما يعنيه “الميلاد” لاهل فلسطين وما تشكله المناسبة في هويتها التاريخية والحاضرة والمستقبلية؛ وبما انهم يفقهون تلك الحقيقة جيدًا فسيكون من الصعب عدم فهم موقفهم كمحاولة لتضييق الهوامش في الحيزات العامة وتقييد حريات الافراد ومحاولة لتشويش معالم تلك الهوية، وذلك تمامًا كما فعلت جهات اجنبية واسرائيلية من قبلهم، وما زالوا يحاولون .

لا يمكن اخراج نص التعميم المذكور عن سياقات الخطاب الشائع في أدبيات وفتاوى بعض تلك الحركات، فانتقاء اسم “الكريسماس” وليس “الميلاد” يقصد منه ايضًا افهام عامة الناس على ان المحتفلين بهذه المناسبة ليسوا “منّا” وهي اصلًا مناسبة غربية دخيلة؛ وهذا في الواقع يضاف الى تمنع الكثيرين من توظيف مصطلح المسيحيين أو العرب المسيحيين، وتعمدهم اللجوء الى تسميات مقصودة مثل الفرنجة أو الصليبيين، أو الى نعتهم بالنصارى، وهي تسمية لها تفسيراتها العقائدية الملتبسة.   

كم تمنينا على جميع قياديينا، في الاراضي الفلسطينية المحتلة وفي الداخل الاسرائيلي، أن يتنبهوا لهذه المخاطر وأن يقفوا في وجهها بشدة وبوضوح؛ فهوية فلسطين المسيحية الأصيلة وانتماء بعض اهلها لتلك الهوية، ليس بمعناها الديني الايماني الضيق، هما معطيان تاريخيان راسخان وضرورة المحافظة عليهما هي مصلحة وطنية عليا.

وإن قلنا الميلاد قلنا الناصرة والقدس وبيت لحم وجميع أرجاء فلسطين، فلغزة سيبقى أهلها وبحرها وفجرها الاخضر، ولسائر فلسطين الامل وميلادها ومهدها، ولنا جرعات الخل واسئلة القلق والشوك وعبق البدايات وسحر البشارة ومدينتها التي يجب ان تكون اكبر من عاصمة لجليل مارد لانها من أهم مدن العالم، بعد القدس وبيت لحم، تمامًا كما صرح ويصرح باصرار رئيس بلديتها الحالي، علي سلام، في موقف لافت يحسب له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى