تاريخ

الخلخال

بقلم: د. محمود رمضان

مع أنها تدرس بالجامعة الأمريكية، إلا أنها تضع الخلخال في قدميها، استوقفتني الحسناء وقالت: خلخالي عبارة عن سلسلة ذهبية رقيقة، كما ترى، وليس كخلخال جدتي، فقد كانت تمتلك خلخالا سميكاً يحيط بأعلى قدمها وكانت تحكي لي ذكرياتها، يوم اشترى لها جدي خلخالاً ذهبياً وآخر فضياً، وكانت تتباهى بهما وسط نساء قريتنا الريفية التي أحن لزيارتها من حين لآخر.


لم يكن الخلخالين الذهبي والفضي هما شبكة جدتي، بل عشر غوايش ذهبية وكردان ذهبي، فقد كانت رائعة الجمال وتزوجت من جدي الذي كان من الأثرياء.
كانت نساء القرية الفقيرات، آنذاك، يلبسن الخلاخيل النحاسية ويحرصن على تلميعه ليبدو كالذهب، ولكن العين الخبيرة تستطيع التفرقة بين النحاس والذهب بسهولة.
كانت جدتي ذات أنوثة طاغية، وكان خلخالها الذهبي يزيد قدميها أنوثة وجمالاً، فهي بيضاء، بضة الجسم، صبوحة الوجه، ممشوقة القوام، ولاتزال بها بقية من جمال حتى الآن، لكن صورها التي احتفظ بها كانت تبدو فيها أجمل بكثير من ممثلات السينما في ذلك الوقت.
في قريتنا تراث من الذكريات، فلم تكن الرعاية الصحية والخدمات الطبية كما هي الآن، كان معدل وفيات الأطفال مرتفعاً، وكانت المرأة التي تلد ويموت أطفالها كانت تطلب من الجميع عملات معدنية، تذهب بها إلى الحداد فيصهرها ليصنع لها خلخالا سميكا من هذه العملات ليعيش الأطفال التي تنجبهم بعد ذلك، وكما تروي لي جدتي فقد نجحت هذه الوصفة مع نساء كثيرات.
وعندما ألحت أمي على جدتي لمنحها خلخالا فقد أعطتها الذهبي واحتفظت جدتي بالفضي، وهي عادة كانت موجودة في ريفنا الجميل، أطال الله عمر جدتي، وهي توريث الخلخال من جيل لجيل، والطريف في الأمر أن أحد عائلات قريتنا اسمها عائلة (أبو خلخال).
تدري، خلخال جدتي الذهبي الذي آل لأمي وزنه يبلغ نصف كيلو جرام من الذهب الخالص، ويقدر ثمنه الآن بثلاثمائة ألف جنيه، لكن أمي لن تبيعه ولو بملايين الدنيا كلها، فهي تعشق أمها بجنون، وبصراحة جدتي تستحق كل هذا الحب، فمنها تعلمنا الحكمة والرقي في التعامل مع الآخرين، والكرم والجود، ومساندة ودعم الفقراء والمساكين والمحتاجين.
ومن أجمل ما سمعت من أغنيات عن الخلخال أغنية لسيد الشاعر يقول فيها:
سمعت يوم رنة خلخال وكنا ساعة صبحية
بصيت بعينى لمحت غزال أسمر وبعيون عسلية
لقيته جاي من شط النيل بخمس قلل وصنية معاه
أنا قلت له اسمر يا جميل عطشان وقلبى الحب رماه
وحياة عينيك متكونش بخيل واسقيني من قللك مياه

بصيت بعيني لمحت غزال أسمر وبعيون عسلية
سمعت يوم رنة خلخال وكنا ساعة صبحية
جرح فؤادى وسابني عليل والجرح زاد والدوا وياه
مكتوب عليا أحب واميل واسهر بطول الليل بهواه
وكل داه وأنا راضي به ولا قلبه حن عليا

سمعت يوم رنة خلخال وكنا ساعة صبحية
بصيت بعيني لمحت غزال أسمر وبعيون عسلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى