أدب

قراءة في كتاب كلمات مبتورة للكاتب محمد صوالحة

بقلم: الروائي السوري- محمد فتحي المقداد

فكما يُقال: (الجُنونُ فنون), لكن فهل الجنون بحاجة إلى إثبات؟ والأنكى أنّ المُتّهم به يكتبُ الإثباتَ بيده. لا أدري مقاصده ولم أكشف عن خفايا قلبه ونواياه، وما يدورُ في خَلدِه، وهل يرومُ إقناعنا فقط؟. ويقول: (يتيمٌ أنا إلّا من بقايا قلمٍ أكلته المبراة).
يتفّق الجنون والإبداع عند محمد صوالحة في كلماته المبتورة، حدّ الاشتباه أيّهما الأسبق، رغم أنّ ما كتبه يغلب ظاهره على أنّه بوحٌ وغزل، لكنّه موجوع بالكلام الخفيّ: (والوجع يا سيّدتي أوّل الرّبيع، وآخر المطر فلسفة الجنون في هواك، وأمارس بهواك كلّ طقوس الجنون) وإذا صحا من سكرة الإدمان، يُنادي من جديد: (من يُعيد إليّ جنوني).


ففي مؤلّفه البكر (مذّكرات مجنون في مدن مجنونة)، كانت حيرة المُتلقّي في إصراره على مفردة الجنون، وفي الرّبط تتضح الرّؤية بأنّ محمد صوالحة عاقل واعٍ لما يدور في فلكه من فواجع ومآسي الأمّة، ففي كتابه هذا (كلمات مبتورة)، عنوانٌ لافتٌ للنّظر جديرٌ بالتوقّف عنده، فكيف إذا جاءت الكلمات مبتورة وأوصلت المعنى المُراد ورسالتها؟.
بالتوقّف عند قوله: (أمارسُ طقوسَ جنوني؛ فيغيب عنّي وجه الوطن، وأصير غريبًا). وكذلك: (اضْحك لجنونكَ.. ومن جنونكَ، لا تمدُد يدك لتُصافح أو تُصالح، لا تمدُد يدك لتُساوم أو تُصالح، لا تُفقِد الوطن أغنياته.. فتموتُ، وأموتُ ويضيع النهر مجراه).
الجنون والوطن، ومن أجل الوطن، وعلى الوطن خوفًا على ضياعه جزءًا جزءًا، يقضمه العدوّ، ليستحيل حُلمًا وأملًا ومآسٍ مُدمّرة للإنسان لا تنتهي إلّا بموته. وهنا لا بدّ من التنويه إلى التناصّ مع نبوءة الشاعر (أمل دُنقل)، في قصيدته الشّهيرة (لا تُصالح).
وللمتبع لعنوانات نصوص الكتاب (كلمات مبتورة) يجدها تتمحور حول الغربة والاغتراب في الوطن وعن الوطن، والجنون، والرحيل، والهلوسات. لنجد (محمد صوالحة). ينادي متسائلًا عن ذاته: (أغفو على جمر غُربتي.. وأنادي أيْنكَ)، وتأتي الإجابة للقارئ: (واقفٌ كمجنون على المفترقات.. أنتظرُ عودتي لروحي الفقيدة).
الوجعُ والأنين، الحلم والأمل، المرأة والوطن، الغربة والاغتراب، الجنون والهلوسة، الحبّ والكراهة، الذات والذات البديلة، الأب والجدّ، الموت والحياة، أنا وأنت، السُّكْرُ والصحو، البسمة والدمعة، الذكرى والنسيان، الكون والإنسان، والجنون والهلوسة. ثنائيّات وشّت بخيوطها وتشابكاتها نصوص محمد صوالحة، تراوحت ما بين الخاطرة والقصيدة المنثورة وبعضها الموزون، افتقدت الفرح والمرح والسرور، واستولى عليها الهمّ والحزن على الواقع الضّائع بضياع الوطن والإنسان.
ويقول: (أتعبني البحث عن أوّل الطريق يا سيّدي..!! شيخُك أوصدَ أبوابه بوجهي.. نهرَني. قال: أيها المُثخَن والمُعبّأ بالأنين والذكريات.. هناك بعيدًا عنّي.. أثّث ليلك وذاكرتك.. أعِد ترميم روحك.. رتّب يومك).
أخيرًا يعلن: (تعبتُ وتعبتُ، وما شممتُ رائحة الملح الذي أفرزته خلاياي، وكل الجهات تشابهت، وكلّ الطّرق سراب).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى