مقال

صديقي عبد الحق نجيب !

حجيبة ماء العينين | المغرب

لم يكن مجرد لينك فيلم خصني به صديقي الهائم في بلاد الله، بل كان سفراً عبر الزمن. جلستُ علي أريكتي مركزة كل ذرة من حواسي جميعها دفعة واحدة، أرقبُ صديقي عبد الحق نجيب وهو لا يمسك كاميرا، بل يمسكُ روحاً مغربية أصيلة، ينفض عنها غبار عقود من النسيان.
في تلك اللحظة، أدركتُ أن كاميراه لا تمر مرور العابرين؛ إنها رفيقةُ دربٍ قاسية، تنبش في صمت تندوف، لتخرج لنا حقيقةً عارية، ثقيلة، وموجعة، وكأنها تمنح هؤلاء المنسيين “أسماءهم” من جديد بعد أن حاول القهرُ مَحوها.
تبدأ الحكاية بـ “عناق بصري” لا يرحم. تقترب العدسة بحميمية مفرطة من الوجوه، تلامس التعب النفسي المكتوب على الجباه، حتى لتكاد تشعر أن ارتجافة الصوت وصمت الضحايا يخرجان من الشاشة ليشاركاك غرفتك. لقد اختار عبد الحق أن يتقشف في جمالياته؛ لا زينة، لا خطابة، فقط واقعية فجة تُجبر ضميرك على النظر طويلاً فيما كنتَ تخشى الالتفات إليه.

ثم تظهر “الصحراء”. يا الله يا عبد الحق، كيف جعلتَ من هذا الفراغ الأصفر شخصيةً حية تملكُ روحاً وقانوناً؟ الرمال في عدستك ليست مجرد خلفية، إنها جغرافيا الألم.

رأيتُ الأجساد وهي تذوب في المدى، تتحول إلى نقاط صغيرة تصارع الوجود في صمتٍ مريب. وليلُ تندوف؟ لم يكن مجرد غياب للشمس، بل كان “كثافةً” تسكن الروح، واختباراً لليقين وهو يتفتت تحت وطأة الجوع والعطش وتربص الدوريات المسلحة.

توقفتُ طويلاً عند “حقيبة الروح”. لمحتُ ببراعة عينك تلك التفاصيل الصغيرة: حبات التمر، قطرات الماء الشحيحة، المصحف، وذلك الراديو القديم الذي يرتجفُ كخيط حياة واهٍ يربطهم بعالمٍ نسي أمرهم. لم تكن هذه مجرد “مؤن”، بل كانت رموزاً للبقاء، صوّرتها بكثير من القدسية حتى صرتُ أسمع “لغة الأنفاس” حين عجزت الكلمات عن الحضور.
#عائدون_من_جحيم_تندوف
وفي عمق هذه التغريبة، كان هناك “الابن”. ملاحقته لمخطوط والده الراحل لم تكن مجرد حبكة سينمائية، بل كانت رحلة بحثٍ عن المعنى.
رأيتُ عبد الحق الابن، وعبد الحق الصديق، وهو يرمم جرحاً لم يلتئم، محاولاً تفسير حياة كاملة تشكلت حول الألم، وكأن إنقاذ تلك الذاكرة هو “النجاة” الحقيقية التي تسبق الفرار من المخيمات.
خرجتُ من الفيلم وفي قلبي غصة، وفي عيني فخر بصديقي الذي جعل من الصمت اعترافاً، ومن الصورة صرخةً أخلاقية مدوية. “الهاربون من تندوف” يا سادة، لم يكن حكاية عن الهرب، بل كان ملحمة عودة للذات؛ عودة الإنسان من كونه “رقماً” في زنزانة ليكون “إنساناً” حراً تحت شمس الحقيقة.
دُمتَ يا عبد الحق مبدعاً يكتبُ بالضوء ما تعجزُ عنه السياسة، ودامت عدستك صوتاً دافئاً لمن لا صوت لهم.. ودمتُ أنا، صديقتك التي تقرأ خلف كادراتك ما لا يراه الآخرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى