مقال

داعشيو الثقافة العربية

مختار عيسى | القاهرة
«وما علّمتنا الأراجيح في العيد غير البكاء!»
لا أدري ما الذي دفع إلى شاشة الوعي، وأنا أتهيأ للكتابة إلى «تشرين» عن حال المثقف العربي ودوره في الراهن السياسي والثقافي، بهذا السطر من نص شعري قديم لي؟!
هل الأرجحة التي نعاني حضورها في المشهد صباح مساء هي الدافع؟ أم البكاء على حالنا العربية التي أجاهد كثيراً لدفعها خارج اللحظة هو ما ساق السطر للحضور؟
يبدو لي، وبعض البوادي جلائل، وأدلة، وبعضها رواجح واحتمالات، أن الثقافة العربية بجمعيتها وفرادات عناصرها في آن، تجمع بين الحالين: الأرجحة والبكاء، وأن كلاً منهما مؤثر حاسم في الآخر، ولا يمكنك، مهما التجأت إلى التعميات والتعاليل الهروبية، أن تريح النفس من إدماءات وجروح، وأنت تتصفح دفتر ثقافتنا، تلك التي لا تغادر مخازن الأسلاف، أو التي تخلع كل أزيائها التراثية، لتقف برقصة فكرية في محافل الانبهار بالغرب، وتقاليعه وموداته الثقافية؛ فمن فكر مخابئ وجحور، وكهوف الأجداد، يطلع عليك بلحاه التي تطول في كثافتها غابات الأمازون، وعنعناته التي تجعل من فرد عابر في صحراء الماضي مقدساً، جديراً بالاتباع من دون إعمال لعقل، أو تحريك لذائقة، كما يصر أولئك العائشون في «داعشية» فكرية لا تؤمن بحق الآخر في الاختلاف، والمغايرة، أو من يؤمنون بضروة التعري الكامل من إرثك الحضاري، لتحيا عالة على حضارة الـ«ماك» وتتصرف كـ« كاوبوي» يحشو مسدسه بطلقات التبعية، والاستلاب، وما عليك إلا أن تكون واحداً في الطوابير الزاحفة باتجاه إطلاقياته عن الحرية والمساواة، والتغيير على أقيسته، وبأجهزته، حتى لا تكون خارج عصره، وهو متكفل ببسط حمايته عليك وتزويدك كلما فرغ صندوق طلقاتك بمزيد من الصناديق، مادمت أصبحت جندياً مخلصاً للكاوبوي، في الشعر، والرواية، والموقف السياسي، والحيوز الفكرية المعولمة.
يكاد الضجر يلفّ عبارات كثيرين ممن يرصدون المشهد الثقافي العربي، ويفكرون في دور للمثقف يتواءم مع ما تعيشه الذات العربية من مواجهات يومية، على صعيد الحال السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وكيف أدى غياب المثقف العضوي إلى سيولة فكرية، وغياب مبدئي، فهانت الأوطان، وتوارى الانتماء، أمام تمصلحات المثقفين، وتجاراتهم النشيطة التي لا همّ لأصحابها إلا رفع أرصدتهم البنكية ولو على حساب رواسخ المبادئ، فتم تسليع كل شيء، الوطن بسعر، والعروبة بسعر، والنضال حسب لائحة المسلع التي جعلت للخيانة رقماً لا يدانى، ولمداراة الأعداء ومداهنتهم صدارة، وتركت الجماهير حائرة بين داعشيي الثقافة الذين يوقفون الزمن ويحنطون الفكرة ويوثنون الصورة، رغم ادعاءاتهم مكافحة التوثين والتصنيم، وإذا بهم يصبحون أصناماً جديدة، يسعى المستغفلون إلى تأليهها، مخافة الداعشية الذباحة، وبين ذباحين آخرين من «كاوباويي» الثقافة الذين يخلعون كل أزيائهم العربية ليكونوا مجرد بقع لونية في إطار عولمي، يمسك فيه قاهر الهندي الأحمر، بكل ألوان الهنود المستهدفين بالإفناء، ولاسيما إن كانوا عرباً!
ليس لي إلا أن أزيح سطر البداية الشعري إلى الخلف قليلاً، آملاً بأن نبحث بين الأراجيح والبكاء عن عيد منتظر لمثقف عربي يعرف للوطن قيمته، ويدرك ما عليه في رواهن الأحداث ومنتظرها، على السواء، من لوازم المبدئية، ونصاعة الانحياز إلى قضايا أمته الحقّ، من دون تسليم لأصحاب اللحى الكهفية أو القبعات «الكاوباوية» الممغنطة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى