مقال

وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا

خالد رمضان |كاتب مصري
الأبوة ولا شك منحة يفيض الله تعالى بها على من يشاء من عباده، يقول تعالى:﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾، ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ وقال أيضا:﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. تلك الذرية التي حباك الله إياها إنما هي نعمة لا يعرف قيمتها إلا من فقدها، وإنما أبناؤنا فلذات أكبادنا تمشي على الأرض.
من هنا نسعى جاهدين لأن يعتلي أبناؤنا قمم الجبال، وأن تطئ أقدامهم نجوم السماء، فنقضي حياتنا، وننفق أعمارنا في كدٍّ وعناء لننجوَ بهم من براثن الزمن، ونحفظهم من تقلبات الدهر وركلاته المؤلمة، ساعين بكل ما أوتينا من قوة أن نجنبهم عثرات المحن، وأنياب المصائب والرذائل.
ينفق الأب ماله وعمره وقوته وسعادته من أجل بنيه وهو لا يجد في نفسه امتعاضا أو غضاضة أو ألما، بل يفعل ذلك تغمره السعادة وتعلوه البهجة، وينشرح صدره كلما رأى أبناءه نبتة تنمو أمام عينيه، يسقيها بماء عمره، ويغذيها من قوت شبابه، وعزاؤه الوحيد أن يجني ثمار تلك النبتة، فيجد فيها ما تمناه قلبه، وما أملته عيناه .
  أيها الأب العظيم، يا من أحببت أبناءك أكثر من نفسك التي بين جنبيك، أهمس في أذنيك همسة الأخ لأخيه، همسة الأب الحاني على ولده، بل أخاطب فيك نفسي، وألومها قبل معاتبتك فالمأساة واحدة، والأخطاء متواترة: إن صنيعنا هذا صنيع من كدَّ واجتهد في تطهير أرضه، وحسن إعدادها، فنقاها من الحشائش القاتلة، وحرثها حرثا منقطع النظير، ثم ألقى بذوره لتحتضن ثراها بعشق وانسجام، ثم أهال عليها طميها، ثم انصرف ناسيا أهم الأعمال وهو أن يغمرها بالماء.
إن كدَّنا وسعينا حرصا على صلاح أبنائنا ليس هو السبب الرئيس لفلاحهم، إنما هو جزء من مجموعة أجزاء مترابطة يشد بعضها بعضا. ذلك السبب يكمن في صلاحك أنت، فلا صلاح للأبناء دون صلاح الٱباء، وتأمل ذلك في كتاب الله تعالى: “وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا
قال المفسرون: بين هؤلاء الأبناء والأب سبعة ٱباء، فلم يكن أباهم الأول، لأن صلاح الأب يصل السابع من الولد، ولم يذكر المولى سبحانه وتعالى صلاح هؤلاء الأبناء.
أما عن ذلك الكنز فقد ذكر جلُّ المفسرين أنه عبارة عن صحف فيها علم، فضلا عمن ذكر أنه مال ثمين.
ويروى عن الإمام البخاري أن أباه كان تاجرا، والتجارة غالبا ما يشوبها الحرام، أو الشبهات من كثرة الأَيمان الباطلة، أو السلع المحتكرة، أو البضائع المغشوشة، أو العروض الوهمية.
    حينما حضرت الوفاة والده التاجر نظر إلى ولده وقال له: يا بني، تركت لك ألف ألف درهم لا أعلم درهما فيه شبهة، فخرج علينا بالإمام البخاري. ومن ذلك أيضا الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز الذي ملأ الأرض عدلا وخيرا في فترة لم تتجاوز الخمسة وعشرين شهرا فسجل له التاريخ صفحاتٍ مضيئة لن تجد لها مثيلا.
    هذا الخليفة مات ولم يترك لأبنائه أرضا، ولا قصرا، ولا مالا، ولا خزائن، كل ما تركه ثمانية عشر دينارا لأحدَ عشرَ ولدا. ومما يروى عن أبنائه بعد وفاته أن أحدهم جهز مئة فرس في سبيل الله من حر ماله الخاص .ومن ذلك قصة صاحب البقرة الذي مات ولم يترك لولده سوى هذه البقرة، وكلنا يعلم كيف باعها لبني إسرائيل بملء جلدها ذهبا. قال تعالى:”﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾”
      ما أود أن أقوله إن انشغالنا بصلاح أنفسنا خير من انشغالنا بصلاح أبنائنا، فإننا لن نذهب وراء بناتنا الجامعات، ولن نقتفي أثرهن عند خروجهن إلى الشوارع والطرقات، ولن نسير خلف أبنائنا حتى نبعدهم عن الحرام، فكما تكون يكون ولدك.
قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا
على ما كان عوده أبوه
تدخن، وتأمر ولدك بعدم التدخين؟!
تكذب، وتأمر ولدك أن يكون صادقا؟!
تنافق، وترجو أن يكون ابنك واضحا؟!
لقد كان لنا في أبينا إبراهيم عليه السلام مثلٌ يحتذى به في كيفية العلاقة بين الأبن وأبيه.
– جعل حب الله فوق حب الأبناء” إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ “
– امتثال الأبناء والطاعة العمياء للأباء “قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ “
– التحلي بالأدب الجم عند محادثة الٱباء “يا أبَتِ”
– الحرص على إرضاء الأب وإرضاء الرب “سَتَجِدُنِي إن شاء الله من الصَّابِرِينَ
وهبنا الله تعالى وإياكم الفهم الصائب، والتطبيق الصحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى